عمتي قدرية ومرض مصطفي
ما بين فترة وأخري أمر على بيت عمتي ((قدرية))، أحمل معي بعض لوازم البيت وانتهز فرصة تواجدي هناك لاطمئن عليها واسأل عن أحوال ((مصطفي)) المختفي عنا منذ مدة طويلة، ذهبت إلى هناك أمس، طرقتُ الباب كما أفعل كل مرة ففتحت لى عمتي، مددت يدي لأسلم عليها، لاحظت قلقاً غريباً يبدو على ملامح وجهها، سألتها؟ ماذا يفعل(( مصطفي)) الآن؟ لكن عمتي لم تحر جواباً بل سحبتني من يدي مثلما تسحب جاموسة وأدخلتني.
وجدت ((مصطفي)) طريح الكنبة يتلوي من شدة الالم.
- خيراً.. ماذا حدث لمصطفي؟
سألت عمتي(( قدرية)) التي أخذت تلتقط أنفاسها.
- انظر..
أخذت عمتي تشرح ما حدث بالتفصيل.
- تناولنا الغداء، ثم استأذن ((مصطفي)) مني لينال قسطاً من الراحة، تركته وذهبت للمطبخ، فات نصف ساعة، لاحظت حركة غريبة بالبيت، خرجت لأستطلع الأمر، وجدت ((مصطفي)) جالساً على حافة المرحاض وقد نسي أن يغلق باب الحمام وراءه، تقدمت منه بحذر، سألته، ما سبب استيقاظه المبكر؟ - فهو لا ينهض في العادة من السرير إلا قرب آذان المغرب – اجابني، أشعر بألم شديد حول سرتي، جاء صوته محشرجاً، تراجعت قليلاً للخلف وطمأنته بأن لا يخاف، لعله مغص خفيف وسيذهب لحال سبيله.
تركته وذهبت للمطبخ لأتابع الأشياء التي ورائي، كانت هناك بعض الصحون والحلل تنتظري، حركت حنفية المياه والتقطُ سفنجة غسيل الصحون ثم فتحت علبة ((البريل)) مزيل الدهون وبدأت فى عملية إزالة الأوساخ، لم يستغرق الأمر سوي دقائق قليلة وسمعت صوت نفير ((السفون)) يأتي من الحمام، أطلقت تنهيدة كبيرة وحمدت الله، وضعت ما في يدي وخرجت لأطمئن علي ((مصطفي))، ألا تشعر بتحسن الآن؟ سألته وهو يضع رأسه على صدره، رفع رأسه ونظر نحوي، كان وجه مربداً، قال أنه لا يشعر بخـيـ..، لم يكمل الجملة بعد حيث فوجئت به وقد فرش الأرضية كلها بالقئ، طلبت منه أن يسرع إلى الحمام وهرعت أنا إلى المطبخ لإحضر فوطة جافة.
بالفعل، فعندما دخلت كانت رائحة الصالة لا تطاق، أسرعت أطلب ((أحمد)) على التليفون، احضر السيارة وتعال فحالة ((مصطفي)) لا تستدعي التأخير.
وفي غضون خمس دقائق كان ((أحمد)) يركن سيارته بالخارج، لم يحضر بمفرده، أحضر معه ((طارق))، اقتحم ((طارق)) البيت ووقف على رأس ((مصطفي)) الممدد فوق الكنبة وسأل كيف يشعر الآن؟
- ((مصطفي)) مريض للغاية.. وأشك أنه مصاب بالزائدة.
أجبت ((طارق)) على الفور.
أخرج ((طارق)) هاتفه، وبالسرعة التى اقتحم بها البيت حاول طلب رقم تليفون صديقه الدكتور ((محمد))، كان الرقم خارج نطاق الخدمة. طلب ((طارق)) أن نسرع أنا وهو ونحمل ((مصطفي)) الى الخارج.
- لا يهم سنصل للمستشفي أولا وبعدها سنتأكد إذا كان ((محمد)) هناك أم لا.
واسقط تليفونه داخل سيالة الجلابية.
فتح ((أحمد)) باب السيارة لعمتى وركبتْ بجواره وركبا نحن الثلاثة فى الخلف.
أستغرقت العملية ساعة كاملها، أجرها الدكتور محمد الذي حضر بعد أن ألتقط اتصالنا في النهاية.
يرقد مصطفي الآن في مستشفي ((دار السلام))، حيث منع عنه الدكتور ((محمد)) تناول أى نوع من الطعام وأمر الممرضة التى تلاحظ حالته أن تستبدل زجاجة ((الجلوكوز)) المتصلة بذراعه بأخري كلما احتاج الى ذلك، وأن تظل تتابع الحالة الى أن يتماثل للشفاء.
أعتقد عندما يعود مصطفي للبيت سيفكر ألف مرة، سيعيد النظر فى الطريقة الوقحة التى يمارس بها حياته، أولاً، لابد أن يتوقف عن إزدرائنا، لابد أن يراعي أننا عائلة واحدة وابناء أعمامه الوحيدين ويفسح لنا ولو مجالاً صغيراً في حياته، فلم يعد مقبولاً أن تأخذ رسالة الدكتوراه كل وقته، لم يعد مقبولاً أن نزوره فى البيت فيرفض لقائنا بحجة تلك الرسالة اللعينة، وثانياً، وهذ هو المهم فى نظري، أظن عليه أن يتواضع ويتنازل قليلاً ويرفض فكرة أن تزين بطة كاملة محشوة بالفريك والزبيب مائدة غداءه كل يوم.
تعليقات
إرسال تعليق